مجموعة مؤلفين

39

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

باللّه . . . » ( محيي الدين بن عربى : كتاب شق الجيب ، مجموع الرسائل الإلهية ، مطبعة السعادة ، سنة 1325 ه ، ص 52 ) . على أن ابن عربى لا يقف عند هذا الحد من اصطناع الرمز والإلغاز فحسب ، دون أن يكشف عن حقيقتهما ، ودون أن يوازى بينهما وبين ما يرمزان إليه أو يلغزان له ، أو يلائم بينهما وبين الحقائق التي ينطوى عليها أحدهما أو كلاهما ، وإنما هو يذهب إلى ما هو أبعد من هذا كله ، وذلك إذ يبين أن الرموز والألغاز إنما هي أدوات يستعملها أقطاب التصوف وسيلة إلى التحدث عما رمزت إليه ، والإشارة إلى ما ألغزت له ، وهنا يرد ابن عربى استعمال هؤلاء الأقطاب من الصوفية لتلك الرموز والألغاز إلى مصدره في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف ، ولعله في هذا كان يلتمس مبررا قرآنيا ونبويا لما آثره القوم من انتهاج هذا النهج ، حتى لا يكون مساغ إلى الطعن فيهم ، والإرجاف بهم ، على النحو الذي درج عليه ، وأسرف فيه ، أرباب الظواهر من الفقهاء ، وأصحاب الرسوم من العباد والعلماء ، وذلك فيما وجهوا إلى أهل البواطن وأرباب القلوب من طعن وتجريح ، زاعمين أن الصوفية نهجوا هذا النهج الرمزى ، وآثروا أسلوب الإشارة الباطنية على أسلوب العبارة الظاهرية ، سترا لما في مذاهبهم من عوار ، وإخفاء لما في أقوالهم من جموح ، وما في أحوالهم من جنوح . أما كيف كان القرآن الكريم والحديث الشريف ، دلائل حق ، وشواهد صدق ، على أن الرموز والألغاز ، إنما هي عند ابن عربى من قبيل ما امتلأت به آيات القرآن البينات من الأمثال التي يضربها اللّه للناس ، ومن جنس ما أفاضت فيه عبارات الحديث الرائعات ، من المجازات والكنايات والتشبيهات ، فذلك ما نتبينه مع ابن عربى مستشهدا بقول اللّه عز وجل : « وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ » ( القرآن الكريم : سورة العنكبوت ، آية 43 ) ، ومعقبا عليه بقوله هو : « فالأمثال ما جاءت مطلوبة لأنفسها ، وإنما جاءت ليعلم منها ما ضربت له ، وما نصبت من أجله مثلا ، مثل قوله